الشنقيطي
307
أضواء البيان
وبعض العلماء يقول : إن تقليد العامي المذكور للعالم وعمله بفتياه من الاتباع لا من التقليد . والصواب : أن ذلك تقليد مشروع مجمع على مشروعيته . وأما ما ليس من التقليد بجائز لا خلاف ؟ فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده ، مجتهداً آخر يرى خلاف ما ظهر له هو ، للإجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه . وأما نوع التقليد الذي خالف فيه المتأخرون ، الصحابة وغيرهم من القرون المشهود لهم بالخير ، فهو تقليد رجل واحد معين دون غيره ، من جميع العلماء . فإن هذا النوع من التقليد ، لم يرد به نص من كتاب ولا سنة ، ولم يقل به أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير . وهو مخالف لأقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله ، فلم يقل أحد منهم بالجمود على قول رجل واحد معين دون غيره ، من جميع علماء المسلمين . فتقليد العالم المعين من بدع القرن الرابع ، ومن يدعي خلاف ذلك ، فليعين لنا رجلاً واحداً من القرون الثلاثة الأول ، التزم مذهب رجل واحد معين ولن يستطيع ذلك أبداً ، لأنه لم يقع البتة . وسنذكر هنا إن شاء الله جملاً من كلام أهل العلم في فساد هذا النوع من التقليد وحجج القائلين به ، ومناقشتها . وبعد إيضاح ذلك كله نبين ما يظهر لنا بالدليل أنه هو الحق والصواب إن شاء الله . قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله ، في كتابه جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ، ما نصه : باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتباع . قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه ، فقال : * ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ ) * .